ابن كثير

373

البداية والنهاية

فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله ، وقال : إنه لا يمكن ردها على الخليفة . وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم ، فمانع أبو عبد الله الخليفة ، فقال الخليفة : لا بد من ذلك ، وما هذا إلا لولدك . فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته ثم أخذ يلوم أهله وعمه ، وقال لهم : إنما بقي لنا أيام قلائل ، وكأننا قد نزل بنا الموت ، فإما إلى جنة وإما إلى نار ، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء . في كلام طويل يعظهم به . فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح " ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه " . وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان . فقال : وما هذا وذاك سواء ، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال . ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه ، فرجع إليه فقال : يا أمير المؤمنين إن أحمد ليس به علة في بدنه ، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة . فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد ، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له ، وليكن في حجره . فتمنع من ذلك ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد . وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه ، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور ، فجئ ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز ، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس ، من وراء ستر رقيق . فلما جاء أحمد قال : سلام عليكم . وجلس ولم يسلم عليه بالامرة ، فقالت أم الخليفة : الله الله يا بني في هذا الرجل ترده إلى أهله ، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه . وحين رأى المتوكل أحمد قال لامه : يا أمه قد تأنست الدار . وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان ، فألبسها أحمد بيده ، وأحمد لا يتحرك بالكلية . قال الإمام أحمد : ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه : أصلح الله الأمير هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك . فقال : إن علمني شيئا تعلمته ، قال أحمد : فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيرا جدا فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه . ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة فلم يقبل أن ينحدر فيها ، بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفيا ، وأمر أن تباع تلك الخلعة وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين . وجعل أياما يتألم من اجتماعه بهم ويقول : سلمت منهم طول عمري ثم ابتليت بهم في آخره . وكان قد جاع عندهم جوعا عظيما كثيرا حتى كاد أن يقتله الجوع . وقد قال بعض الأمراء للمتوكل : إن أحمد لا يأكل لك طعاما ، ولا يشرب لك شرابا ، ولا يجلس على فرشك ، ويحرم ما تشربه . فقال : والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه . وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره وكيف حاله . وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي دؤاد فلا يجيب بشئ ، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبي دؤاد من سر من رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه وأملاكه وأخذ أمواله كلها . قال عبد الله بن أحمد : وحين رجع أبي من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه ، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة